"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


يوسف المنيلاوي.. برع في الإنشاد وفي غناء القصائد

"يوسف خفاجي المنيلاوي" هو منشد ومغن مصري، ولد في عام 1850، وقيل 1847. لقب ب"المنيلاوي" نسبة إلى منيل الروضة بالقاهرة، سافر إلى الأستانة سنة 1888 وغنى للسلطان "عبد الحميد" فأنعم عليه بالنيشان المجيدي.
 
حياته..
 
وكان والده يعمل بالزراعة، أدخل ابنه "يوسف" كتاب لتحفيظ القرآن، على أمل أن يصبح من علماء الدين. أخذ في بداية عهده الإنشاد عن الشيخ "محمد عبد الرحيم" الشهير ب"المسلوب"، ثم أخذ الغناء عن الملحن "محمد عثمان"، والشيخ "خليل محرم"، ثم ظهر نبوغه في هذا الفن، بالإضافة إلى أنه كان يتمتع بصوت جميل رخيم، وبعد أن اشتهر "يوسف المنيلاوي" كمطرب ومنشد، وخاصة في غنائه لأدوار "محمد عثمان" و"عبده الحامولي"، وكان "يوسف المنيلاوي" قد عاصرهما في أواخر أيامهما.
 
لم تستطع رغبة والده في أن يكون من خريجي الأزهر الشريف أن تثنيه عن المضي قدما في مجال الإنشاد والابتهال الديني، وربما وافق والده في نهاية المطاف على هذا الأمر لسببين، أولهما، أنه عكف على الإنشاد الديني وأداء الابتهالات الدينية فرأى أنه بذلك سوف يقدم خدمة جليلة للإسلام، فدور المبتهل أو المنشد لا يقل أهمية عن دور عالم الدين.
 
أما السبب الثاني الذي أدى بوالد "يوسف المنيلاوي" للموافقة علي دخوله هذا المجال الفني، نصيحة بعض المحيطين له بالموهبة الفائقة التي يمتلكها ولده، وبالتالي سلكه هذا المجال يعني شهرة ومالا وخدمة للإسلام في ذات الوقت، ودور مؤثر في الحياة الثقافية المصرية في هذه الآونة، هكذا وافق والده وبدأ تشجيعه والوقوف وراءه لإدراك التفوق والنجاح في هذا المجال.
 
ثم بدأ الشيخ "يوسف المنيلاوي" في تلحين القصائد، وذاعت شهرته في تلحينها وغنائها، وأصبح مشهورا في أفق الفن الموسيقي المصري، حتى وصل أجره إلى 100 جنيه في الليلة، ولما طبعت أغانيه على أسطوانات عام 1908 كان يكتب له لقب خاص هو (سمع الملوك). ومن أهم القصائد الدينية التي غناها الشيخ "يوسف المنيلاوي" قصيدة "سلطان العاشقين" ل"الحسن بن عمرو بن الفارض".
 
وسافر "يوسف المنيلاوي"  إلى الأستانة فأحرز نجاحا كبيرا، وأعجب به السلطان "عبد الحميد" فقربه إليه، وكان يصحبه معه في صلاة الجمعة، كما أنعم عليه ببعض النياشين. وكان رغم أرباحه الطائلة عن طريق الغناء، يعمل في تجارة القصدير، ولم يترك ثروة ذات قيمة.
 
ولقد سجل "يوسف المنيلاوي"  بعض أغانيه على اسطوانات في الفترة ما بين 1908 و1910 مع شركتي "عمر أفندي" و"جرامفون".
 
كان الشيخ "يوسف المنيلاوي" من أشهر المغنين في عصر "عبد الحي حلمي"، وكان "يوسف المنيلاوي" ينافس "عبد الحي حلمي" في الشهرة والصيت، إذ اعتبر بعد موت "عبده الحامولي" و"محمد عثمان" المطرب الأوحد في كل وادي النيل، وكان سامعوه من كبار القوم يؤمون مجلسه فوق تخته الكامل، تحت رئاسة المرحوم "محمد العقاد الكبير"، الذي ملك ناصية العزف على القانون ومعاونه "إبراهيم بهلون" الكماني العظيم، و"أمين البرزي"، وغيرهم.
 
مطرب النهضة العربية..
 
كتاب: «يوسف المنيلاوي مطرب النهضة العربية، عصره وفنّه"، الصادر عن دار الساقي، تأليف "فريدريك لاغرانج" و"محسن صوَّه" و"مصطفى سعيد"، يحاول التعريف بالشيخ "يوسف المنيلاوي"، وبسيرته الشخصية والفنية، وتسليط الضوء على جوانب من عصره، والمدرسة الفنية التي اندرجت فيها تجربته وعُدّ أحد ممثليها البارزين، وتقصّي خصائص فنه وملامح مذهبه الجمالي.
 
ويوضح "فريدريك لاغرانج" و"محسن صوّه" و"مصطفى سعيد"، أن من العوائق الذاتية والموضوعية التي تعرضوا لها عدم تمكنهم رغم الجهد الجبار المبذول، من الحصول على جميع أسطوانات المنيلاوي التي سجلها، فضلاً عن أن بعض الأسطوانات التي حصلوا عليها، لم تكن في حالة جيدة.
 
ويشير الكتاب إلى أن أسباب اختيار مادة العمل هي تقديم عينة من «موسيقى النهضة» المصرية لما لتلك الموسيقى من قيمة كمية ونوعية، منها ما ينحصر في نتاج "المنيلاوي" المسجل على أسطوانات بين شركتين اثنتين، والاكتفاء ببعض العينات الجيدة.
 
ويرى رئيس مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية "كمال كريم قصّار" في مقدمته القيمة للكتاب أن إخراج ذلك الرصيد الضخم ل"المنيلاوي" من دائرة الظل التي زج به فيها بدعوى كونه رصيداً قديماً متحفياً ميتاً عفا عنه الزمن وولى عهده، ليتبوأ مكانته في دائرة الضوء بصفته رصيداً كلاسيكيا أصيلا قابلا للإحياء سواء عن طريق أدائه بصورة تحترم جمالياته الخاصة، أم باعتباره مرجعاً أساسياً لا غنى عنه لمن لا يريد من المنتجين والمستهلكين معاً الاكتفاء بلون «موسيقي» واحد منسوخ بل ممسوخ مسخاً من بعض أشكال الموسيقى الترفيهية الغربية التي هي أكثر أشكال الموسيقى ابتذالاً حتى بين أهلها، ملفّعة بدعاوى الجدة والحداثة والخفة والسرعة والعالمية".
 
وفاته..
 
وفي عام 1911 رحل الشيخ "يوسف المنيلاوي" بعد أن ترك ذكرى طيبة في عالم الغناء.