"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


"الخطيب".. رواية تكشف صراع أئمة المنابر على الدنيا

date: 
Wed, 08/23/2017
كانت جمل الإمام تزداد متانة، وتنسكب من بين شفتيه شرسة حتى لتكاد تسفح رءوس المصلين، قبل أن تحدثهم، بإغواء عميق، عن الحور العين، ثم يصرخ فى الناس بأن الضحك يميت القلوب ويضاعف الذنوب ويجب ترك الحياة النتنة العطنة، وكانت هذه هى خطبة السعادة التى تحولت فيها الدنيا للعنة أبدية».. بهذه الحالة يضعنا الأديب السعودى «هانى نقشبندي» فى قلب أزمتنا مع الخطاب الديني، وما نعانيه من شيوع للتطرف، وهو بعمله الذى أصدره باسم «الخطيب» عن دار الساقى للنشر، يرصد تحول داعية مغمور لشيخ صاحب كرامات وتلتف حوله الجموع طلبا للبركة والعون.. أو هو دليل العمل ببلادنا لـ«كيف تصبح داعية مشهورا؟».
الإمام الذى تعمد الكاتب إخفاء اسمه، كان يعانى نقص أعداد المصلين بالمسجد الصغير بالحي، وانصراف الحضور عن الإنصات لخطبته، همس المؤذن يوما له بأنها «مملة»، وفكر الإمام: كيف يمكنه أن يصير إماما للمسجد الجديد الأكبر بالحي، والذى بنته الحكومة، فيما هو يفشل بجذب بضعة صفوف للصلاة وسماع خطبه؟»، ولهذا الإمام صديق مؤذن، يدرك مكمن الداء ولكنه لا يتحدث، وهو مثلا يلاحظ أن قبة المسجد ومئذنته مائلتان ومهترئتان، تكادان أن تسقطا، والمسجد لم يتم ترميمه منذ عهد بعيد، لكنه لا يتحدث إلا متأخرا، بعد أن يكون «عابر سبيل» من خارج أهل الحي، قد أبدى ملاحظة بوجوب ترميم المسجد، فنرى رمزية للخطاب الدينى الآيل للسقوط بعالمنا العربي، والذى قد لا نلاحظه لأننا «داخل البيت/ الجامع»، بينما يراه العالم أجمع. 
وقد أجاد المؤلف حين جعل دافع الإمام لتغيير نفسه، وخطبه المملة، ليس خدمة الدين، إنما حظ نفسه بالدنيا، حين طلب أن يصبح إماما للجامع الكبير، بديلا للشاب الوقور الذى يستعد لتولى المهمة، وهذا الشاب نموذج حقيقى لجيل مختلف من الدعاة يستخدم العقل والمنطق وليس إثارة المشاعر.
وسيعهد المؤذن لممثل مسرحى بأن يقوم بتدريب الإمام المترهل كيف يصير جذابا، يزوره أسابيع ويعلمه كيف يرفع صوته ويخفضه ويجسد المشاهد ويلهب الحماسة ويلوح بيده، وهى آليات الإقناع المسرحية، والتى لا تناسب الخطاب الديني. كان الممثل المسرحى يعلم أن الإمام يراه كافرا يتعاطى الفنون، ومع ذلك قبل بتلقى دروسه، وأجاد بتطبيق الخطب الاستعراضية، وللغرابة، تضخمت أعداد زوار المسجد الصغير، وتسابق أهل الحى لصنع الولائم وطلب البركة من الإمام، وكان هو قد تحول لشخصية مسموعة وذات نفوذ، وصار مظهره أكثر ميلا للترف وتخلى عن جلبابه القصير القديم!
ونعيش مع المؤذن قصة حب ملتهبة جمعته بإحدى فتيات الحي، يغرم بها وتصحو شهوته على نحو غير معهود برجل مهمته رفع الأذان، بل وتحتل الصور المتحررة ذهنه وكلماته إليها، فيكون منها ما يفوقه جرأة، ولكنها تصفعه بكلمات جريئة عن حقيقته وحقيقة إمامه؛ فهما ساعيان لدنيا يصيبانها وليس مجد دين يعتنقانه. 
ويتساءل الراوى على لسان «الخطيب»: هل العلة فى المصلين أم فى الخطبة؟ يقول المؤذن للإمام إنه يحدثهم عن معان وقيم لا تمس حياتهم اليومية، وهو ما يصرفهم عنه، فيكون من الخطيب أن يغير نهجه ويترك بلا عودة أحاديث المحبة قائلا «لست المسيح هنا»، ويصب فى الآذان كلماته عن السعير والمرأة التى يجب أن تعود لبيتها وإلا صارت سافرة، والجهاد الواجب على شباب الأمة ببلاد المسلمين المضطهدين، 
يقول الخطيب: «أيها المسلمون، تشربون الخمور، وترتشون، وتزنون، وتجاهرون بالمعصية، نعم بالمعصية؟»، بنبرة قوية وصوت عال، ثم بعد كل ذلك «ترفعون أيديكم إلى السماء تبتهلون بلا خجل، نعم بلا خجل، فتطلبون المال والعيال، لا والله لا يكون ذلك أبدا».
وهنا نرى المعلم وقد صار آسفا لأنه علمه كيف يصير مقنعا، يناشده: «أحسن استغلال ما تعلمت لصنع جنة على الأرض. لا يريد الناس من يسكب النار فى آذانه».
وبعد الخطب النارية التى يسمعها المعلم عن الخلافة الجديدة وفتح البلاد، يستدعى خيبات تاريخنا، وهو موضوع أثير بروايات نقشبندى منذ روايته «سلّام» عن الأندلس أو فردوس المسلمين المفقود. يقول المعلم: التاريخ أيها المؤذن، يشبه الخمر الرديئة. كلما ارتشفت منها ابتعدت عن الواقع حتى تحلق فى السماوات العلى، فلا تلبث أن تستيقظ بعد حين وقد ارتطم رأسك بالأرض، ثم تسير مترنحا مثل ثور مخصٍ! إنه أبعد ما يكون عن الفضيلة، أقصد التاريخ لا الثور».
ويعتبر المؤذن الحى ملعونا «لا يعرف الحب»، فيجيبه المعلم أو صوت الحكمة بالرواية: «إن الحب كالبذرة لا تنبت بصحراء جافة. ونفوسنا صحراء ميتة، نحن فى حاجة إلى الحب ولكننا لسنا مهيئين له».
نرى الخطيب يصب جام غضبه «فجأة» على الحكومة، ويخطب عن الفساد قائلا: أيها المصلون، فساد القائمين على شئونكم، والساكت عن الحق شيطان أخرس، بنبرة تشبه الرعد، لم تظهر إلا بعد أن حجبوه عن إمامة المسجد الكبير! وراح يغريهم بالجنة والحسان ورؤية أعدائهم الفاسدين وهم يتعذبون بنار جهنم بلا رحمة ولا عزاء».
 
 لست ألومك «إنه زمان اللحى» يقول المعلم وهو يخاطب المؤذن الذي راح يمسد لحيته قائلا أن غايته نبيلة، يقول المعلم: «ولو سألت إمامك لأخبرك أن كل غاياته نبيلة، ولو أحرق نصف البشرية».. كان المعلم يرى أن إيمانه في زرع الخير والحب بعد أن صارت البشرية تنحدر أخلاقيا، عربا وأوروبيين، فأصحاب العيون الزرق أيضا "جعلوا الدولار إلها يشتري رطلا من الأخلاق».
 
وبعد أن صار الإمام أميرا للحي، يعطي دروسه للنساء والأطفال والرجال، ويتسابق الجميل لأجل بركته.. يختفي فجأة من الحي مع عائلته، ويعرف المؤذن أنه قد تزوج محبوبته، بدلا من أن يزوجه إياها، وبدلا من أن ينصت هو لخطبه التي تدعو للزهد بالدنيا وانتظار «حور العين»، كان الألم قد أثمل المؤذن، وقد أراد أن ينسى كل شيء .. حتى أذانه القديم ، حتى صديقه المعلم !

 

البوابة نيوز