"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


تكوّن الذات وعلاقات التاريخ والكتابة رشيد الضعيف وروايته «ألواح» نموذجاً

date: 
Sat, 02/24/2018
كلُّ روايةٍ هي تخييل، لكنَّ روايةَ رشيد الضعيف «ألواح» (دار الساقي عام 2016)، هي حكايةٌ عن الذات، ذاتِ الكاتب نفسِه، رشيد الضعيف، وليس عن آخر، أو عن آخرين إلاّ في سياق كلامه عن ذاته. إنَّها، كما يبدو، سيرة ُالذّات في علاقتها بذاتها وبمنْ كان لهذه الذات علاقةٌ بهم/ن، الأمُّ والأب والإخوة وأصدقاء الطفولة والجيران… ومنْ كان لهم أثرٌ في بنية شخصيّة هذه الذات النفسيّة، في معاناتها، وفيما آلتْ إليه من سلوكات موسومة بالرفض والتمرّد، وبرغبة الإستقلال والتحرّر.
 
روايةُ «ألواح»، هي بشكلٍ أساسي، حكايةٌ لمسار هذه الذات، مسارٍ من المعاناة تكْتشفُ فيه الذاتُ ذاتَها في نزوعها، زمنَ الطفولة، إلى العنف، ثم الرغبة في ممارسة الجنس، والخجل الذي مال، مع الوقت، إلى قناعة سلوكيّة/ أخلاقيّة قائمة على احترام حريّة الآخر، وخياراته، وخاصّة فيما يتعلّق بالأنثى وبالعلاقة الجنسيّة معها.
 
يعرف الكاتب الروائي رشيد الضعيف، تمام المعرفة، أنَّ الكاتب، حين يصبح راويًا، حتى عن ذاته، لا يعود تماماً، أو كليّاً هو هذا الراوي. فالراوي هو آخر، والسّرد عن الذات، هو تخييلٌ لا يلتزم، ولا يمكنه أن يلتزم، بسردٍ يطابق الواقع، أو بسردٍ تمارسه الذاكرة، بأمانةٍ مطلقة، لهذا الواقع الذي مضى، مضى وصارت عمليّةُ استعادتِه منوطة بالتذكّر، التذكّر الموسوم بالنسيان والخاضع في استعادة المنسيّ، وبنسبٍ متفاوتة، لضرورات الصّياغة الفنيّة التي تقول هذا الذاتي، تقوله وفق رؤية الكاتب/ الروائي التي لها في “ألواح” طابعُ البوح، أو الكشفِ النقديّ الجريء، المذهل، والذي يجعلنا نسأل:
 
لماذا؟ وما هو المعنى العميق الكامنُ خلف هذا البوح، والذي به يتجاوز السّردُ ما هو ذاتي إلى ما له، عند الضعيف، علاقةٌ بتاريخيّة تكوّن هذا الذاتي، بعلاقته بالزمن، وبالكتابة؟
 
يقول الضعيف الذي يروي لنا عن ذاته: «لا أحد يعرفني على حقيقتي، ولا أنا أعرف نفسي على حقيقتها» (ص 6). وهو بذلك لا ينفي أنْ تكون روايتُه حكايةً عن الذات، ذاتِه، لكنّه يضعُ المرويَّ موضع الاحتمال، ويرى إلى الحقيقة بصفتها متغيّرة من متغيّرات التاريخ، فذاته التي تروي الآن، هي غيرُ ما كانت عليه ذاتُه التي يروي عنها. كأنَّ الحقيقي هو رهنُ الزّمن ورهنُ وعينا به، وكأنَّ هذا الوعي هو ما يُشرِّع لكتابةٍ قائمةٍ خارجَ الفضيحة والأخلاق، أي لكتابة تسعى، وعلى مستواها الأدبي، لإنتاج معرفة بهذه الذات. وهذا ما يمنح الكتابةَ شرعيّة أنْ تكون، وأهميّة أنْ تُقرأ.
 
فالكتابةُ، من منظور رشيد الضعيف الذي تزامنتْ ولادتُه مع انفجار قنبلة هيروشيما الذي هو، وكما يقول: «انفجارٌ هائلٌ مروِّعٌ مدمرٌ قاتلٌ نشر الرعب واليأس في البشريّة»، الكتابة هذه، هي انفجارٌ آخر، مختلفٌ، منعشٌ ومحيي وواعدٌ بالخلاص (ص 153). الخلاص، ربّما، من معاناته من «تلك اللحظات المروّعة، من اليأس المطلق» (ص 7).
 
يحكي رشيد الضعيف للخلاص من معاناته: معاناته من عقدة لقبه، «الضعيف»، الذي عندما ناداه به الأستاذ، «انفجر الصف بالضّحك انفجاراً سمعه ربما الحيُّ كلُّه» (ص 130). معاناته من كوْنه ابناً لوالدٍ لم يعرف سوى الفشل في حياته، وصبيّاً ينزع إلى العنف المتمثّل في تعذيب الحيوانات. معاناته من عذابات البراءة، براءةِ أمِّه وأثرها المتمثّل في خجله. ومعاناته من عجزه عن الخلاص من عذابات الحبّ، حبِّه لامرأة متحرّرة هي الفرنسيّةُ ناتالي.
 
لقد «بكى رشيد وإنْ بلا شهيق»
 
ذلك أنَّ للكتابة سطوةً على الزّمن (ص 155)، كما يقول رشيد الروائي. سطوةٌ لها قوّة التغيير، وتجد معناها الأعمق، في «ألواح»، في سطوة الضعيف على ذاته وهو يحكي سيرتَه بصفتها متخيّلاً تختزنه الذاكرة، ويُنسَبُ للتاريخ، التاريخ الذي يدعو الكتابةَ إلى الصّدق والإخلاص في قول ما تحكيه عنه (عن هذا التاريخ).
 
هكذا تتمثّل قيمة «ألواح»، وبشكلٍ خاصّ، في ابتداع الكاتب بنية فنيّة لرواية تحكي بصدق وإخلاص حكاية هذه الذات.
 
«ألواح» نصّ، وأثرٌ للتاريخ. للقراءة بعد مئة سنة، بعد مئات من السنين، واكتشاف أنَّ هذا الأثر هو رواية كتبها أديب لبناني، اسمه رشيد الضعيف، هذا ال رشيد الضعيف كتب هذه الألواح، ذات يوم، عن أمه الجميلة وأبيه الفاشل، وأخيه الذي بُترت ساقه، برصاصة ابن الجيران، عن أخته الصغيرة التي تاهت، عن زمن لا قيمة فيه للإنسان، زمن موسوم بالجهل والإهمال، زمن شرقي شعاره الحروب والإقتتال… وزمن غربي ينعم أناسه بالحريّة وهو، رشيد، ينعم فيه بحب ناتالي المتحرّرة، بممارسة الجنس معها. ينعم ويعاني، يعاني من تحرّر صاحبة هذا الجسد، من امتلاكها لجسدها، من حرمانه منه متى رغبت هي في ذلك، لتتركه يعاني من ذكورة مخصيّة، من تاريخ كان لهذه الذكورة فيه السلطة والقرار.
 
«ألواح» أثرٌ للتاريخ، للقراءة بعد مئة سنة، بعد مئات من السنين، واكتشافٌ أنّ هذا الأثر هو روايةٌ كتبها أديبٌ لبناني، اسمه رشيد الضعيف، عاش في زمن حروبٍ أهليّة لبنانيّة، وكتب أكثرَ من رواية، وأبدع بنى فنيّة لهذه الروايات تجاوز بها البنى التقليديّة للرّواية العربيّة، بنى تعبّر، بتشكّلها، عن تكسّر زمن الواقع الاجتماعي المعيش، زمن خراب المدينة، وتفتّت نسيج هويّة مواطنيها الذين لاذوا بطوائفهم، كما في روايته التحديثيّة «فسحة مستهدفة بين النعاس والنوم» (1986).
 
«ألواح» علامةٌ روائيّة لكاتب بنى جرأتَه في تعرية ذاته، على إدراكه بأنَّ الزمن هو متغيّرة من متغيّرات التاريخ، وأنَّ معرفة ما هو حقيقي مرهونٌ بتاريخيّته. هكذا وضع علامة استفهام على حقيقة ما يرويه عن ذاته، مكرِّراً ما قاله في بداية سرده:
 
«لا أحد يعرفني على حقيقتي، ولا أنا نفسي أعرف نفسي على حقيقتها» (ص6).
 
يتكشّفُ لنا رشيد الضعيف، وفي هذه الرواية بشكلٍ خاصّ، لا فقط عن أديبٍ مبدع، بل، وفي الآن نفسه، عن مثقّف يستند بثقافته إلى فكرٍ فلسفي مادّي خرج به من السّياسة إلى الأدب، فاغتنى وتميّز.
 
القدس العربي
24-02-2018