"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


«كابوتشينو» للبنانية فاطمة شرف الدين: أدب اليافعين في مواجهة البطريركية

date: 
Thu, 11/30/2017

قبل عقد من اليوم، كانت المكتبة العربية مفتقدة لأدب موجه لليافعين، يتجاوز الخيال العلمي، وقصص الجاسوسية والروايات الرومانسية التي اكتفت بتقليد أدب اليافعين الأجنبي والمترجم، في سلاسل مثل «ملف المستقبل»، و«رجل المستحيل»، و«روايات عبير». إلا أنه موجة جديدة، ذات صبغة ونبرة محلية، للأدب الموجه لقراء المرحلة العمرية الفاصلة بين الطفولة والبلوغ، بدأت في مطلع الألفية، وكانت رواية «الملجأ» (2005) للكاتب اللبناني سامح إدريس واحدة من علاماتها الأولى. وبعد ذلك بخمسة أعوام، تقدم أدب اليافعين إلى صدارة الفاعليات الثقافية، بفوز رواية «فاتن» للكاتبة اللبنانية فاطمة شرف الدين، بجائزة أفضل كتاب في معرض بيروت الدولي للكتاب عام 2010. 
تعود شرف الدين، بروايتها «كابتشينو» (2016)، لتستكمل ما بدأته في «فاتن»، ومن بعدها تجربة الكتابة المشتركة مع سمر محمود براج في رواية «غدى وروان» (2013)، مقدمة معالجات أدبية سلسة ومعمقة، لثيمات الصداقة والتفاوت الاجتماعي والاغتراب والهوية والمعاناة والمجتمع الأبوي، تأخذ مرحلة المراهقة على محمل الجد، بدون أن تسقط في فخ الوعظية والتنميط. 
تنطلق «كابتشينو»، من مشهد شديد الكلاسيكية، يسقط من أنس دفتر يومياته، بعد انتهائه من درس اليوغا، وتلتقطه لينا وتلحق به، لتعيد الدفتر إليه، ومن هنا تبدأ قصة حب، يتكشف معها سران عائليان لكل منهما. لكن المشهد المعتاد، يحمل معاني مختلفة في سياقات عالم تحكم علاقاته ووتيرتها، الهواتف الجوالة، والدردشة عبر السكايب، وطنات الرسائل الواردة على الفيسبوك، وضغطات زر قبول الصداقة عليه، التي لها أن تبدأ علاقة في لحظة، لتضحى مواجهة حميمة من دم ولحم، كما تستطيع أن تمنحها حياة طويلة عن بعد. 
لا يقف بطلا الرواية، اللذان لم يصلا لعمر الثامنة عشرة بعد، على الخط الفاصل بين الطفولة والشباب، فقط، بل على المساحات الملتبسة لهويات وثقافات وقيم جيلية، تبدو قريبة جدا، وبعيدة جدا، عن بعضها بعضا، في الوقت ذاته. 
يظهر تعليم أنس الألماني، خافتا في خلفية السرد، بينما يبدو تمزق لينا بين انتماءات موزعة بين الولايات المتحدة، وفرنسا ولبنان، أكثر وضوحا في عربيتها الثقيلة، ذات اللكنة الأجنبية، وحيرتها أمام عدد القبلات اللازمة عند السلام، وقلق أمها المبالغ فيه وتحذيراتها لها من الرجال في بيروت. وفي المقابل، يقف أنس أمام العنف المنزلي الذي تعاني منه أمه، وضرورة إنقاذها منه، وبين جدته، وقيمها، التي ترغم الأم، مرة بعد أخرى، على الرجوع إلى بيت الزوجية. لا ترسم شرف الدين، بين كل تلك التناقضات، ثنائيات قطبية وحادة بين الخارج والداخل، التقدمي والرجعي، القديم والجديد، الذكوري والنسوي، بل هجينا بين هذا كله، ومساحات ممكنة للمقاومة، والتأقلم، والقبول والرفض والهرب، يوظفها أبطال الرواية ويتحركون في ما بينها. 
تقدم «كابتشينو» معالجة شديدة الحصافة، للعنف المنزلي، تطرح زاوية للرؤية بعيني الابن، أنس المراهق، الذي يتنازعه خليط من المشاعر المتناقضة، بين الخوف، والشعور بالذنب، والغضب، والعار، والإحساس بالشفقة على والده، وكراهيته له، والرعب من أن يصبح مثله حين يكبر، تنتهي بمواجهة عنيفة وجسدية بينه وبين الأب. لكن البطريركية التي يواجهها أبطال الرواية، لا تقتصر تمثلاتها، في صورتها الأكثر خشونة، أي العنف، بل تتمدد لتشمل، علاقات الميراث، والوصاية، ونصوص القانون ذات المرجعيات الأبوية، والتقاليد الاجتماعية والأسرية، وغسيل الصحون في المطبخ، وغيرها، التي تبدو أكثر مراوغة، ورسوخا وأعصى على الحل، من مجرد العنف الصريح. 
وأمام كل تلك البني القانونية والاجتماعية للبطريركية، وتفاصيلها الدقيقة، يجد أبطال الرواية أنفسهم، أمام خياري المواجهة، أو الفرار، اللذين يتطلب كلاهما قدرا لا بأس به من الشجاعة والبطولية، يختار أنس وأمه الطريق الأول، وتذهب لينا وأسرتها الصغيرة إلى الطريق الثاني. وبين المستشفيات، وأقسام الشرطة، والمحاكم، وجمعيات المجتمع المدني، تختتم «كابتشينو» سرديتها، بنغمة متفائلة، فرغم افتراق كل من أنس ولينا، فالتكنولوجيا قادرة على أن تحفظ ما بينهما. 
تنجح شرف الدين، في تقديم سردية شديد العمق مع بساطتها، وتحمل في طياتها شعورا واضحا بالمسؤولية والحساسية، في ما يخص قضايا المجتمع إجمالا، واحتياجات المرحلة العمرية للمراهقة على وجه الخصوص. تتمسك الرواية بلغة ومنطلقات نسوية، لا تصور النساء في صورة الضحايا فقط، فبعضهن يساهمن في ترسيخ القيم الذكورية، والبعض الآخر يقاومن في شجاعة، أو يضحين في بشكل لا يقل بطولية، لكن أهم ما تطرحه «كابتشينو» هو أن ضحايا المجتمع البطريركي، ليسوا من النساء فقط، فأنس واحد منهم، ومواجهة القيم المشوهة لم تكن ممكنة سوى بشجاعة أنس ودعمه لوالدته. لا تنتهي شرف الدين بنص تربوي، ووعظي، بل برواية شيقة حقا، تحترم ذكاء قارئها، ولا ترى في المراهقة، هشاشة، أو مجرد مرحلة عمرية في حاجة للتسلية والإثارة، بل خليطا من رهافة وطاقات من الممكن والشجاعة، التي تستحق أدبها الخاص.

 

القدس العربي

30-11-2017