"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


رواية نسوية لبنانية عن امرأة ضحية ورجل هو شر مطلق

تمتلك الرواية جانباً علاجيّا سواء للكاتب أو القارئ، ففعل "السرد" في حد ذاته يُفقد الأحداث موضوعيتها، لتتدخل فيها "أنا" الكاتب، لتخلق حكايات تنتقل من فضاء الذات ووعيها اللامنظم إلى نظام السرد، فالتحويل إلى كلمات يجعل الأحداث التراجيديّة أو القاسية أكثر اتساقاً، ما يساهم في فهمها وتجاوزها أحياناً، وخلق معنى قد لا يحضر قبل فعل الكتابة، كون الأخيرة تنظم وتضبط إلى جانب كونها محاولة للعقلنة بحيث يصبح العاطفيّ أكثر اتزاناً، ليكون العلاج المرتبط بالسرد محاولة للإجابة عن سؤال لماذا حدث ما حدث؟

 
تقف ماريا حائرة فيما تراه من حولها، إذ لا تفهم طبيعة العلاقة بين أمها وأبيها، تراقب كيف يتشاجر الاثنان ثم ما لبثا أن اتفقا، لتشهد بعدها انهيار العلاقة بينهما تدريجياً حتى حصول الفجيعة التي تكشف لها حقيقة والدها ومشاعره الزائفة تجاه أمها. هذه التساؤلات التي تدور في عقل ماريا نقرأها في "بروتوكول" الرواية الأولى للبنانية آمال البابا الصادرة هذا العام عن دار الساقي.
 
عينان بريئتان
 
نقرأ الرواية بلسان ماريا التي تحكي لنا لحظة وفاة أمها، وابتسامة والدها الغريبة التي اعتلت وجهه حين أخبرها بذلك، لنكتشف عبر الصفحات محاولة تفسير سبب هذه الابتسامة، فماريا تراقب ببراءة العلاقة المضطربة بين والدها ووالدتها، فالشجارات حاضرة دوماً بينهما إلى جانب السخرية التي تتعرض لها أمها من أسرة زوجها، وخصوصاً الضغط النفسي لديها إثر رغبتها الدائمة في إنجاب ذكر يحمي نقودها ويرثها حين تموت ويعتني ببناتها، هذه الشجارات الدائمة تنعكس على مايا وأخواتها رعبا دائما وخوفا من “الطلاق” بوصفه ما سيدمر الأسرة وخصوصاً أن والدة ماريا أنجبت فتاة رابعة. ومع تشخيص والدة ماريا بسرطان الثدي يبدأ الانهيار، فأمنية والد ماريا تبدأ بالتحقق، سيبدأ من جديد، المناوشات والشجارات الدائمة ستتلاشى، فموت زوجته هو الخلاص.
 
ترسم لنا ماريّا أمامنا صورة والدتها بوصفها الفاعل الوحيد في حياتها، حاضرة دوماً إلى جانب بناتها سواء سلباً أو إيجاباً، لكنها حاضرة لأجل الحفاظ على تماسك منزلها، فماريا ترى والدتها تخوض معركتين، الأولى ضد زوجها الملتزم دينياً والأخرى ضد نفسها، هي غير قانعة بحياتها.أما ماريا الخجولة حسب تعبير والدتها ترفض تصديق ما يحدث، فوالدتها التي تموت بالسرطان تحت أعين والدها لا بد أن تعود يوما ما، إذ لا يمكن لوالدها أن يكون قد تسبب في موتها.
 
أما الأطفال فهم الضحايا، وهذا ما نراه في تقسيم الرواية حسب ما تلتقطه ماريّا من تفاصيل، كاكتشافها لمعنى الطلاق، ثم البكارة أو أدوات التنظيف.
 
كل هذه “الأغراض” تنير جانبا من المنزل وعلاقاته، فالقارئ يعي مع ماريا ما يحدث شاهداً على تهدّم المتخيل المثالي عن الأسرة الذي يصل أوج انهياره حين تصاب والدة مارياّ بالسرطان، وكأن التشوهات والقسوة المحيطة بماريا والتي لم تكن مبررة حلّت في جسد والدتها، بوصفها الخليّة الأخيرة الصحيّة ضمن فضاء موبوء بالكراهيّة.
 
فضاء ذكوري
 
يحضر نظام الهيمنة الذكورية في البداية بوصفه خفياً، فالأب يتحكم في الأموال والمنزل، كما منع زوجته من إكمال دراستها، بل ونمى شعور العار في داخله حين رزق بفتاة رابعة، الوحشيّة تتكشف بعدها حين يدّعي والد ماريا أنه يمتلك معرفة طبيّة تفوق تلك التي تمتلكها المؤسسة الرسميّة، أِشبه بحقيقة سريّة يمتلكها مرتبطة بتقنيات الحفاظ على الوجود، ممثلاً نظام معرفة ذكوريّ قادر على شفاء المرض الأنثويّ عبر سلسة من “الأدوية” التي يظن أنها نافعة.
 
هذا الجانب الوحشي يتضح أمام أعين ماريا حينما يتوقف عن أخذ زوجته إلى المستشفى، تاركاً إيّاها للجوع والعطش، وكأنها فقدت جوهرها كإنسان ولا بدّ لها من الموت بوصفه القضاء والقدر ولا تجوز مخالفته، إذ بعد فشل تقنياته العلاجيّة اللاطبيّة من بول البعير وغيره من الوصفات الخرافيّة، بدأ يمهد الطريق لموت زوجته، يتركها لترحل بعيداً، لتموت ببطء تحت أنظار بناتها، فماريا ترى والدها واعياً بأنه يشارك بالقتل، أما ابتسامته الأخيرة حين وفاة والدتها فما هي إلا ابتسامة فرح بأنه سيتمكن من البدء مرة أخرى، سيتزوج ويبني منزلاً جديداً بعدما استنزف زوجته حرفياً وتركها لمصيرها، مدللاً الموت ليأتي ويأخذ زوجته بعيداً، في حين أن ماريا تقف غير مصدقة تحوّل المنزل الذي أفنت والدتها جسدها في تنظيفه وإنكار ابتذاله إلى قبر كبير لها.
 
الضحية الحتمية
 
يحضر الذكر في الرواية بوصفه شراً مطلقاً، ذكر واحد فقط هو الفاعل في الرواية وهو والد ماريا، فنحن لا نعرف حتى اسمه، هو قوة وحشية تتكشف تدريجياً، فكلما ضعفت “الأنثى” ازداد وحشية ولامبالاة.
 
هو يتابع الأفلام الإباحية سراً ويبرر قسوته بخبث وصمت، هو كالسرطان أيضاً ينهش ببطء ما حوله، وحتى حسن نيته الذي آمنت به الفتيات اكتشفن أنه مجرد وهم، فقد قرر استخدام نقود والدتهن لبناء منزل جديد والزواج مرة أخرى، وكأن ماريا وأخواتها ينتمين إلى الجسد المريض، هن بالنهاية إناث وضحايا دوماً، سواء كنّ واعيات بذلك أم لا، فوالدتهن أصبحت ضحية من لحظة رفض أسرتها تزويجها لمن أحبت لأن أختها الكبرى لم تتزوج، هي ضحية بنية سابقة حتى على وجودها الذاتي، بنية مبرمجة لجعل الأنثى أدنى ورغباتها الذاتيّة هامشيّة أمام ما هو ذكوري ومهيمن من عادات وتقاليد.
 

جريدة العرب | عمار المأمون

 

[نُشر في 2017/05/29، العدد: 10647، ص(14)]