جريدة المستقبل - العدد 4250:التحالف الملتبس بين المذاهب المقفلة والعولمة وعصر اللاعقل - جهاد الترك

لعلها اللحظة "المرتقبة" التي يتجرأ فيها التاريخ على التفسخ المروّع. والأرجح ان التأكل الذي دأب على اختراق القشرة الخارجية للثقافة الانسانية قد تحول مبكراً اهتراء يحفر عميقاً في بنيتها الداخلية. وينكشف المشهد، في هذه الأثناء عن رياح هوجاء لكن صامتة تهب من وراء العقل. من خلف اللغة. من جحيم الغريزة اذا جاز التعبير. من الثقوب المقفلة في جدران الحضارة المتعثرة لتزيد هذا الاهتراء عراء في صحراء المخيلة. من على خشبة هذا المسرح المقزز، يبدو ان الحضارة الانسانية المعاصرة تؤدي آخر أدوارها "التاريخية". والحضور الكثيف الذي تكتظ به المقاعد الخلفية والأمامية، يصفق بحرارة الدهشة. يعبّر عن إعجابه الشديد بالذهول. وايضاً بالتحرر اللذيذ من "أسر" الثقافة الى "حرية" الاغتراب. العبور النهائي، على الأغلب، من العقل الى اللاعقل. من الوعي إلى اللاوعي، من الثقافة إلى الغريزة. من الوجود الى الوهم الساذج. قد تندرج هذه التصورات الأولية على هامش الكتاب الهام للباحث الفرنسي الكبير، أوليفييه روا بعنوان" الجهل المقدس.. زمن دين بلا ثقافة" الصادر حديثاً عن "دار الساقي" في بيروت. يطل المؤلف من خلاله على واحدة من أخطر القضايا التي تحيل الألفية الثلاثة عصراً كئيباً يتنكر للضمير الثقافي لانسانية تنزلق سريعاً الى خارج دائرة التاريخ. الى حيث يتفتت العقل فيجرف معه تربة كاملة لرؤية من الأفكار والمفاهيم التي تشكل الحد الفاصل بين السقوط المدوي في الهاوية والإفلات من مصيدة المتاهة. سبيله الى ذلك، وفقاً لحيثيات الكتاب، انكماش الأديان على ذاتها، ثم تحولها إلى أجزائها الصغرى، وبعد ذلك انسلاخها عن سياقاتها التاريخية وانحيازها الانتحاري الى مذاهب مزعومة هي أقرب الى اعادة اكتشاف الغريزة الفردية المكبلة بقيود الانعزال عن العالم والكون والانسان. وقد بذل معرّب الكتاب صالح الاشمر، جهداً ملحوظاً في مقاربة المفاهيم بالعربية والحفاظ على دقة المصطلحات والأفكار الواردة في الدراسة.

قد تبدو هذه المقاربة ضرباً من استدراج مبكر لنهاية العالم كما ينبغي ان يكون في عقل الفرد ومخيلة الانسانية وتوقها المتأصل فيها لتصنع ذاتها في التاريخ. وأيضاً ليكون بمقدورها ان تنأى بنفسها عن جبرية التاريخ الى تاريخ مختلف تتخذه ذريعة حقيقية لتنجو بنفسها من ذهاب محتوم الى العدم. ومع ذلك يفضل اوليفييه روا ان يلامس هذه القضية الملغومة بأسباب التفجير المدمر من زاوية يغلب عليها المنحى العلمي في البحث والاستقصاء عما آلت إليه الثقافة الانسانية بنسختها الأحدث في العقد الثاني من الألفية الثالثة. يرى، في هذا السياق، ان التوجه الديني لدى الفرد بات مقفلاً على ذاته بالكامل. دليله الى ذلك، ان الأنماط التي تحرك الفعل الديني، اليوم، انما تؤدي هذه المهمة "المقدسة" بمعزل كلي عن الجذور الثقافية الحضارية الفكرية التي شكلت الحاضنة التاريخية لهذا الدين او ذاك. والنتيجة الأقرب الى تحلل الديني من بنيته الثقافية، اصبحت تتمثل، بالضرورة القصوى، في الابتعاد التدريجي عن الهوية الثقافية الكونية للدين واعتبارها عائقاً يحول دون ان يتماهى الانسان مع غريزته الدينية. ولكي تستتب هذه المعادلة في حلقاتها العبثية، يتشظى الدين، بشكل أو بآخر، الى مذاهبه المحتملة التي قد تستولد على ايقاع الظروف المستجدة. قد نستدل من هذا التفكك المذهل الذي يداهم بنية التفكير الديني لدى الفرد، في الزمن الراهن، ان الانسلاخ عن الكل نحو الجزء امر يشكل في حد ذاته عملية سهلة للغاية لا تحتاج البتة الى انشغال بالمعايير الفكرية التي تحوط بهذا الدين أو ذاك. الكل، في هذا الاطار، هو الدين بكليته الثقافية، بجذوره الانسانية، بمحدداته التي رافقت نشوءه ولا تزال. الجزء هو الغاء كلي، دفعة واحدة، لهذه المعايير التي تختزن في جوفها الهوية الكونية للانسان. نستدل كذلك من الرؤية النافذة لاوليفييه روا، وان لم يتطرق اليها، على هذا النحو، ان من يطلقون على أنفسهم اسم المتدينين الجدد هم أولئك الذين باتوا يبحثون عن ملاذ آمن في المذهب بعيداً عن الديني الكلي في بنيته المعقدة.

المتحولون الجدد

على هذا الاساس، قد نتوصل الى حقيقة أخرى تبدو مجحفة ولكن واقعية بمقاييس المتحولين الدينيين الجدد، ان الارتحال من الديني الى المذهبي وما يتفرع عنه من مذاهب أخرى محتملة، أصبح هو الدين المنشود في الألفية الثالثة. قد نستقرئ في الكتاب طلائع لظاهرة تبدو ملازمة لهذا التحول. هي أن المذهب الذي انفصل، في الأساس، عن دين بعينه، بات، وفقاً لطبيعته المكتسبة، هو الدين البديل. هو الأصل الذي ينبغي استهدافه والتجمهر حوله والانضواء في صفوفه. هو المرآة الصافية التي تعكس على صفحتها "النقية" ما يدور في العلن وما يجري وراء الكواليس في آن معاً. يتقدم المذهب، على ايقاع انحسار الفعل الثقافي ليتحول في عملية بطيئة الايقاع ثابتة الخطى ليتقمص شخصية الدين الكلي. وفي الوقت عينه وبايقاع متزامن، يتراجع الدين بهويته الثقافية الشمولية، خطوات الى الوراء ليتقمص شخصية المذهب الجزء. المذهب المتكون في رحم الدين، هو الدين الكلي. الدين هو المذهب الذي انكمش على ذاته وغدا مضموناً مفرغاً من سماته الثقافية وجذوره الحضارية.. يسهب الكاتب بأسلوب نقدي ورؤية متحررة من الحساسيات والضغائن الدينية والمذهبية الضيقة، في الكشف عن الديناميات التي يظن بعضهم ان في التحول من الكلي الى الجزئي إعادة اعتبار لفعل الايمان في النفس البشرية الحديثة. يرى، في هذا المجال، ان هذا التصور لا يرقى الى مرتبة القناعة. الصورة ليست على هذا الغرار، وإن جرى تضخيمها في الاعلام الأصولي، مسيحياً وإسلامياً على حد سواء. ينفذ الكاتب من الضفاف الخارجية للصورة المتداولة الى ضفافها البعيدة المختبئة خلف الظواهر. خلف المرآة اذا جاز التعبير. في ذاكرة المرآة إذا صح القول. يعتبر انه ليس في العالم اليوم، مجتمعات وأفراد، جماعات وتكتلات ومنظمات، ردة نوعية الى الدين بمخزونه الانساني الأوسع والأبعد في الفكر الانساني. ان الشرذمة الفسيفسائية التي تنقض على الأديان وتحيلها خراباً مذهبياً من داخلها، انما تستهدف بالدرجة الأولى وضع اليد على خلفياتها الحضارية. ثم مهاجمتها بضراوة شرسة. ثم القضاء عليها قضاء مبرماً. ثم استئصال مناعتها الفكرية الانسانية منها لتصبح في نهاية المطاف، أكثر قابلية للتفكك الى شظاياها المحتملة. ولعل الدين، في هذا السياق من التعثر القسري والارتباك في الحفاظ على مرتكزاته الانسانية، يصبح مرشحاً، في اللحظة المناسبة، ليضعف من الداخل. ليبدأ بعد ذلك العد العكسي للانهيار الكبير. والنتيجة ان ما يشاع عن ردة دينية الى اصوليات مسيحية وإسلامية، لا يعدو كونه استبدالاً للدين بالمذهب. وبالمذهب بمذهب آخر منبثق منه. وهكذا دواليك. والأغلب ان الكاتب يغمز من قناة الردة الى مذهب احتمالي يولد في ظرف احتمالي لم يكن موجوداً في السابق. عصر مأخوذ، على الأرجح، بالخوف من الدين الكلي، والاطمئنان الى المذهب الذي سوغت ولادته على نحو اعتباطي. عصر بات يضيق ذرعاً بالموروث الثقافي الفكري الفلسفي المعقد باعتباره من فضلات "ثورة الحداثة" التي غدت عبئاً لا يحتمل وينبغي التخفف من أثقاله الزائدة.

انقلاب على الدين

يؤكد الكاتب ان لا ردة عميقة وحقيقية الى الدين في منبعه الانساني والفلسفي. بل انقلاب منظم على الدين بغية افقاره من جذوره الفكرية الثقافية واحالته على التقاعد او احتجازه بالارهاب في الاقامة الجبرية الدائمة. ويعلل ذلك بالقول ان ترويجاً جهنمياً يجري تداوله اليوم، على قدم وساق، من أجل الايحاء بأن الأديان باتت تحتاج بالحاح وقبل أي شيء آخر، إلى إعادة صوغ جذرية لا "يستثنى منها التحولات الفكرية والفلسفية الكبرى في التاريخ المعاصر والحديث. ولا يمكن لهذه الصياغة المستجدة ان تنتقل من الوجود بالفعل الى الوجود بالقوة، الا من خلال انطواء الدين على اجزائه الصغرى. ولعل الكاتب يقصد بهذا التصور، وان لم يذكره مباشرة، ان التحول السائد اليوم من الدين الى المذهب، امر ضروري للحفاظ على الدين في اصله الحقيقي. ليصبح المذهب هو الوجه المعاصر للدين الذي "فقد جدواه". معادلة خبيثة على الأرجح لا تكترث باعادة الارتقاء بالأسس الانسانية للأديان بقدر ما تسعى الى تفتيتها لتستخلص من حطامها مذاهب مشبوهة بالمعنى السياسي الاقتصادي الفلسفي. حتى لو استبعدنا نظرية المؤامرة الممجوجة من هذا السياق، لوجدنا ان التحول المروع الى المذاهب المستولدة حديثاً، على نطاق واسع في الجغرافيا العالمية، سرعان ما يجري توظيفه في إعادة تشكيل المخاض السياسي على الساحة الدولية، لأهداف خبيثة، أو على الأقل مطعون في صدقيتها. يقترب الكاتب من هذه المفاهيم المعقدة بالقاء الأضواء على عشرات المذاهب المتكونة في العقود القليلة الماضية. من بين اكثرها دلالة على التصورات التي يقاربها الكتاب، عدد من المذاهب البروتستانتية التي تنشر كالنار في الهشيم وتزاحم العقيدة الكاثوليكية ومثيلتها الارثوذكسية في عقر دارهما. من بين أوسعها انتشاراً، على الاطلاق، كما يورد الكاتب، المذهب البروتستانتي الناهض كالمارد من تحت ركام الخرافات اليهودية وتعبيراتها المختلفة في التوراة. ويسمى هذا المذهب ايضا العنصرية (بفتح العين). ويشكل النموذج الأحدث والأكثر ازدهاراً وذيوعاً في القارة الأوروبية، وتحديداً في الولايات المتحدة ومعظم بلدان اميركا الجنوبية. يرى الكاتب في هذا المذهب المتنامي باطراد دليلاً واضحاً على الاستغناء الكلي عن الدين بمضمونه الانساني العميق، وتجاهله الكلي ايضا لسائر الهويات الثقافية والجذور الفكرية والمرتكزات الفلسفية التي تغتني بها الحضارة المعاصرة والحديثة. لا اساس ثقافياً فكريا لهذا المذهب "الخمسيني" الذي بات يندرج اعتباطا في خانة البروتستانتينية المسيحية. ولعله بات من جنس الغيتوات المذهبية المغلقة بأحكام. مقفل على الخارج اقفالاً تاماً. منفتح على حركته الداخلية انفتاحا تاماً. بمعنى انه لا يتردد في ان يشرع أبوابه على مصاريعها لاستقبال المزيد من شروط الاغلاق والعزلة والتقوقع على الذات واستبعاد الآخر استبعاداً مثيراً للدهشة والاشمئزاز والانطواء على الذات. لا يواجه هذا المذهب صعوبة تذكر في الانتقال من مجتمع الى آخر، ومن بلد الى آخر. لأنه لا يحمل معه عدته الفكرية الثقيلة. يقفز بخفة تثير الاعجاب من مكان الى آخر متحرراً من أمتعته ومقتينات لا لزوم لها في الفكر والثقافة. لا عقدة لديه في ان يحط رحاله حتى في اكثر البلدان والمجتعات تأصلاً في اللعبة الثقافية. لا خلفية ثقافية يعتد بها قد تحمله على ارتياد هذا المكان والإحجام عن مكان آخر. لا مشروع ثقافياً في حوزته من شأنه أن يحدث تغييراً في سيرورته. ومع ذلك، فإن جعبته التي يتأبطها في حله وترحاله، تنطوي، في الوقت الراهن على الأقل، على مشروع واحد لا محيد عنه، هو الاقتراب، قدر المستطاع، من مخاطبة الخوف الدفين الذي يقلق الأفراد والجماعات. يوفر لهم جرعات مجانية، إذا جاز القول، تهدئ من روعهم. توقظ غرائزهم النائمة. تستفزّها، على وقع الغموض الآتي مع رياح العصر الباردة. يعوّل هذا المذهب كسواه من المذاهب المماثلة التي تستهدف الانزواء والانغلاق كذريعة في حدّ ذاتها، على استثارة غريزة الفرد والجماعات في أشكالها الأولى. الغريزة التي يقلقها الآخر في وجوده وأدواته الثقافية والمعرفية. ولعلّ هذه المذاهب تنفرج أساريرها ويشتدّ عودها وتزداد ثقة بمشاريعها المقفلة إذا ما أدركت أنها أصبحت محاطة بمذاهب من نسيجها. لا تفترض هذه المعادلة أن يتنازل أحدها ويقدم على الاعتراف بالآخر. لا شيء من هذا القبيل في جدول أعمال هذه المذاهب الفضلات، وتحديداً البروتستانتية المتزمتة التي تدور في الفضاء الغامض للخرافة التوراتية. يستعصي على أي من هذه المذاهب المتكوّنة في رحم النفور من الخارج، أن يمنح مثيلاً له اعترافاً بوجوده وإقراراً بمشروعيته. ولو حصل ذلك، وهذا أمر مستحيل، في نطاق الشرذمة المذهبية، إسلامياً ومسيحياً، لبدا هذا تخلياً عن مشروعه الخاص وإيذاناً حقيقياً باستعداده للخروج من شرنقته الضيّقة الى بوتقة ثقافية أرحب.

المذاهب التفتيتية

يميل الكاتب الى الاعتقاد بأن ما نشهده من أفول للدين بصيغته الكلية ونشوء للمذهب بصيغته التفتيتية، تحديداً في سياق الثقافة الأوروبية الأميركية، هو من قبيل ما يصطلح على تسميته "الحداثة الدينية". ولعلّ الأصح القول، في الإطار الموضوعي الأشمل، أن هذا التحوّل هو من النسيج الداخلي العميق لمرحلة ما بعد الحداثة التي تأخذ فيها الأفكار والمفاهيم والإيديولوجيات بالتفكك الى أجزائها الصغيرة التي تكوّنت منها في الأساس. وأيضاً تلك التي لم تكن في صلب نشوئها وتكوينها. يفاقم هذه الحال التفكيكية المتناثرة على رقعة الانتشار البشري، ان العولمة التي باتت السمة الملازمة للتجربة الإنسانية، خصوصاً في الألفية الثالثة، تنطوي في طبيعة ميكانيزماتها وحركتها الداخلية على استجابة ملحّة للتعامل مع الظواهر الاجتماعية والسياسية من خارج سياقاتها الثقافية والفكرية والفلسفية. لا تحتمل العولمة التي يعرقل صيرورتها وتقدمها المتوحش في التاريخ الأحدث، الهويات الثقافية المتجذرة في بيئاتها الإقليمية. تسعى العولمة الى الانتقاص من صدقية هذه الأخيرة باعتبارها لزوم ما لا يلزم في عصر السرعة. تتوجس العولمة شراً من المنظومات الثقافية المعقدة، خصوصاً تلك التي لا تنطوي عليها الأديان بطبيعة الحال. العولمة لا تنسجم إلا مع ثقافة من جنسها بمقدورها أن تعبر الأقاليم والمجتمعات والبلدان والقارات بسهولة فائقة. المذاهب المنغلقة على ذاتها المتكوّنة في سياق العولمة، المبتورة عن جذورها الثقافية وهوياتها الدينية المتأصلة، هي أكثر ما يستهوي العولمة. لماذا؟ لأنها قادرة على الانتقال من مكان الى آخر، من إقليم الى آخر، من مجتمع الى آخر، خالية الوفاض. تتحرك على مساحة العالم من دون أن تضطر الى خوض معارك ثقافية فكرية دينية حامية الوطيس. لا قلق ثقافياً يعتمل في داخلها. لا مشروع ثقافياً تضعه في حسبانها. تحمل معها زاداً خفيف الوزن لا يظهر للعيان هو انغلاقها على نفسها ورغبة كامنة فيها للتقوقع في عزلتها الغامضة. أمر مثير للريب والشبهة والدهشة المسكونة بالالتباس أن تنتشر ظاهرة المذاهب بالتزامن مع تعاظم شبح العولمة وتحوّله سلطة عالمية طاغية. تبدو المذاهب المتأهبة من هذا النوع لمحاصرة الأديان ومصادرتها بالكامل، التعبير "الثقافي الديني" الأمثل لطغيان العولمة.
الطرفان يتناغمان بصمت. يستفيد كل منهما من إنجازات الآخر من دون ضوضاء تذكر، في وقت يمعن كل منهما في الترويج لزمن يخلو من متاعب الثقافة ومشاريعها المعقّدة لإعادة تشكيل العالم والتاريخ.

ظاهرتان تبعثان على الشك العميق في مستقبل الثقافة الإنسانية. تنموان كالفطر في كل الأتربة والبيئات، خصوصاً في الأنظمة العلمانية. يغتنمان الفرص الذهبية النادرة التي توفّرها لهما العلمانية باعتبارها سداً منيعاً أمام أي اجتياح ينفّذه الدين لمرتكزات الدولة. العلمانية تحجب الدين عن الدولة، غير أنها تمتنع، في الوقت عينه، عن التدخل في شؤون هذه المذاهب المنكمشة على تزمتها. والأرجح أن الدولة العلمانية، في شكلها الأوروبي على الأقل، لا ترى ضيراً في نمو هذه المذاهب وتكاثرها. لماذا؟ لأنها لا ترفع في وجهها مشروعاً ثقافياً سياسياً لمقارعة المفاهيم الاجتماعية السياسية للدولة العلمانية.

وتتوالى هذه المسرحية المبكية المضحكة فصولاً وسط ضباب كثيف يلف الحضور والممثلين معاً. ويستمر التصفيق الحار لمن يؤدون هذه الأدوار المبتذلة. مسرحية للإحتفاء بانقلاب العقل على نفسه في عصر اللاعقل.