جريدة السفير - العدد 12096: "طرابلس ساحة الله وميناء الحداثة" لمحمد أبي شمرا: فيض الوقائع والدلالات - حسن مروّة

يختصر محمد أبي سمرا تاريخ المدينة، في كتابه «طرابلس: ساحة الله وميناء الحداثة» الصادر عند دار الساقي بطبعته الأولى عام 2011 في بيروت، وأحوالها الاجتماعية والسياسية والعمرانية على امتداد أكثر من نصف قرن، منذ ضمّها عنوة إلى دولة لبنان الكبير عام 1920، بغير رضى من أهلها. وكان الطرابلسيون يرون في مدينتهم أهلاً ومحلاً لتكون حاضرة من حواضر دولة عربية هي سوريا التاريخية، لا أن تكون المدينة الثانية في دولة مجتزأة، فتهمّش هي مع مرفئها طوال العهود المتعاقبة على الجمهورية اللبنانية بحيث لم تنل من العناية والإنماء ما يتناسب وأهمية موقعها ودورها في الحقب الماضية.

ما أصاب عاصمة الشمال من غبن وإهمال طوال العقود الثلاثة الأولى من العهد الاستقلالي، برغم حضورها السياسي على مستوى رئاسة الحكومة، هيأ ساحتها لما شهدته من تعاقب الحوادث الأمنية والاشتباكات ومحاولات الخروج على الدولة حيث «تحضر الحروب اللبنانية في ظلال الحوادث الطرابلسية ومشاهدها بقدر ما هي طرابلس مسرح من مسارح الحروب الملبننة وتجلّ من تجلياتها» يقول الكاتب. ويتكشّف ذلك عبر تقصّيه مجريات الأحداث المتصلة بحبل من السخط والاعتراض المحق والمشتغل في آن، وما جرّته على الأهل والعمران من ويلات. فمن جهة شغلَ الاحتراب ومواجهات التسلط الوافد والمحلي، والانتفاض على الأحوال المزرية، أجيالاً متعاقبة جلّهم من أبناء الأحياء الفقيرة والمهمشة، وقد تحولوا إلى مقاتلين محترفين أو متبطلين أو متعاطين صنوف الجنح والانحرافات، أو ملازمين تالياً لدور عبادة مستجدة ومتكاثرة بإمرة دعاة المعروف والنهي عن المنكر، يرفدهم التسرب المدرسي المتفشي جراء تهالك الإشراف الرسمي واطراد التفلت الأمني.. ومن جهة ثانية شلّت تلك الحوادث أعمال البناء والتجديد وآلت أحياء المدينة الشعبية إلى حالة من الارتكاس العمراني والخدماتي فضلاً عن غياب أي جهد تنموي متوازن، على ما يحلو وصفه لصائغي البيانات الوزارية! وقت كان الأثرياء ومتوسطو الحال ينأون بأنفسهم وأبنائهم بعيداً من حمأة المجابهات المسلحة وسوء الأوضاع، بالاغتراب والبحث عن ملاذات آمنة، أو بالإقامة في ضواحي المدينة الموقوفة على أغراض التمرد والشقاق.

«دولة المطلوبين»

تتعدد العناوين الفرعية لفصول الكتاب الثمانية، بتعدد الشهود والرواة وأشخاص السير المختلفة والمؤتلفة في آن، وتبرز بين ثنايا التحقيقات الميدانية المسرودة وفق آلية العرض والقص والتحليل، وجوه وقيادات رئيسيون وثانويون، لعبوا أدواراً متفاوتة في إدارة المواجهات الموظفة لصالح القوى المتنازعة، منذ «ثورة 1958». بين هؤلاء أشخاص يبرزون موقتاً ثم تنطفئ سيرهم، فيما تتوالد سير آخرين وتجدد على امتداد الفصول، ويظل مجايلوهم السائرون في ركابهم أيام عزهم، يلهجون بذكر مآثرهم العسكرية والاجتماعية، إلى ان تخبو ذكراهم مع تراجع أعمار أولئك، وظهور أجيال جديدة تبحث عن هويتها وتنشغل بهموم عصرية مختلفة.

لا يفوت الكاتب ان ينوّه بنتاج دارسين أو محققين سبقوه في إيلاء أحوال طرابلس اهتماما لافتاً، ليفيد من تحليلاتهم في ما يخلص هو إليه من جملة معايناته وغوصه في نسيج المدينة.. ومن أبرز أولئك السابقين (الشهيد) ميشال سودا والأديب خالد زيادة، كما ينتخب لمقابلاته أشخاصاً مشوا في ركاب الفاعلين والقادة الطرابلسيين الذين لقوا حتوفهم بجريرة مسؤولياتهم في توجيه المعارك. وأشهر أولئك الخارجين على النظام في «دولة المطلوبين» كان (أحمد القدور)، الى المنتفضين ضد سياسات الدولة (فاروق المقدم) قائد «حركة 24 تشرين» وخليل عكاوي (أبو عربي) قائد المقاومة الشعبية، أو رائد «حركة التوحيد الاسلامي» (الشيخ سعيد شعبان) وسواهم. وخلال عرضه شرائط الأحداث، يشهد القارئ مناوشات ومعارك وارتكابات ومجازر وأعمال اجتثاث، ونهوض إمارات ونزاع رايات، يليه انكفاء وملاحقات وإعادة تموضع واصطفاف، وتسيّد قوى غاربة.

حصيلة وافرة

يسلك المحقق أثناء سعيه إلى تظهير الوقائع المغفلة إثر نبشها، دروباً شتى تتيح له النزول إلى قاع المدينة واجتلاء ما طمره توالي الأحداث، وإحياءه ونشر غسيله، والعودة من كل ذلك بزاد وفير من الصور البانورامية والتفاصيل الكفيلة بأود التحليل وحوافز السخرية المرّة، ثم الصعود إلى السطح وارتياد نطاق «الفلل» المشيدة حديثاً في الضواحي القريبة، وكشف أحوال مشيديها وقاطنيها ومناحي اجتماعهم ومنازعهم، كما محاولات مغتربين عادوا مستغلين هدوء الأحوال لإقامة مطارح للعيش والسمر وفق ما خبروه في مهاجرهم وملاذاتهم من أساليب تشكل متنفسا لمن يودون الخروج إلى أجواء مريحة مستفادة من اجتماع بيروت أو أماكن اللهو فيها أو في ساحل البترون القريبة، أو منقولة مما عايشوه في الحواضر الغربية بعامة. وقد يتمدد العرض خلل ذلك كله ليطال مناطق مختلفة من لبنان وما بين بيروت والجنوب بخاصة مما له صلة بتواجد قوى إقليمية أو يتصل بسياق الأحداث في طرابلس. وحين ينزاح التوتر ويحل السلام ما بين الجولات، يسلط الكاتب الضوء على المستجد في شارع الميناء وما يرمز إليه من اتجاهات التحديث والعصرنة والميل إلى الحياة الرخيّة، بموازاة ما يمثله حي باب التبانة وآهلوه من استنقاع وتهالك ونزوع إلى تدمير الذات أو البحث عن الخلاص تحت عباءات الدعاة ومريدي السلف الصالح..

جهود محمد أبي سمرا ومتابعاته الدؤوبة طوال نحو عشر سنوات أسفرت عن حصيلة وافرة لعمله كباحث ميداني ومتقص ومحقق فمحلل ومؤلف، حتى استوت كتابا يفيض بالوقائع والدلالات على امتداد أربعمئة وإحدى وثلاثين صفحة من القطع الوسط، بعثتها دواعي الكشف الاجتماعي لآثار الاقتتال والتنازع، وحفزتها إضاءة السير والنزاعات الفردية والأهلية وخلفياتها العقائدية والشخصية، تلك الجهود لم يبذلها صاحبها رغبة في إضافة عنوان إلى لائحة نتاجه الأدبي، وإنما لغايات بعيدة ونبيلة لخصها بقوله: «... علّ هذه البلاد المنهكة بالحروب والمترنحة على شفيرها، تلجم بالسياسة والتأريخ والرواية سقوطها (مجددا) في الحرب!»

هل تتعظ الجماعات اللبنانية وأولو الحل والربط فيها والذين يماشونهم، من عبر الماضي القريب الماثل في الأذهان، أم تقود السياسات العقيمة البلاد والعباد إلى مستنقع حروب بغيضة وقودها أجيال تستثار دائماً بعصبيات لا تبرد جذوتها لصالح حياة آمنة او تجاوز واقع مرير وبناء نهضة وعمران؟!