"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


"العرّافة": يوميات عجوز عند حافّة العمر

date: 
Sat, 01/13/2018
تسير رواية "العرافة" (دار الساقي) للكاتب اللبناني أحمد علي الزين على الإيقاع السريع لنهاية العمر، فهي بلا حدث مركزي أو حبكة، يتم فيها الانتقال بين حكايات الشخصيات وبين الحاضر إلى الماضي بلا عتبات أو عوائق. الراوي العجوز يريد أن يُفضي بالكثير الذي لديه قبل أن تحين ساعة مغادرته أرض الذكريات، وهو كثيرا ما يُعيد علينا ما قاله سابقا، كأنه نسي أنه فعل ذلك.
 
يقضي سهيل العطار أيامه الأخيرة داخل غرفته في مستشفى الفردوس. أودعه ابنه هناك وهاجر إلى أميركا، بعد أن عاد العجوز المُقعد إلى الطفل الذي كانه قبل نحو ثمانين عاما؛ يحتاج إلى من يساعده في كل شيء، يبول على نفسه، ويبكي دون سبب معروف، حتى يفقد من يرعاه أعصابه ولا يرى نفسه إلا وهو يصفعه، كما فعل ابنه زرياب عازف العود. بين أقرانه ومن هم بحال أسوأ من حالته يستعيد سهيل، الذي كان أستاذا جامعيا في الفلسفة، شيئا من اتزانه، ويعمل على إنجاز كتاب جديد يضيفه إلى ما كتبه من قبل. يجعل هذا العجوز نفسه راويا مركزيا، هو راوٍ شخصي لكنه يحكي كأنه راو عليم وعارف بكل شيء، يحول كل ما يراه ويسمعه إلى أشياء تخصه، يجد علاقة بينه وبينها، يخلع أسماء على الناس ويخترع لهم قصص. على سبيل المثال، الرجل الذي كان قناصا أيام الحرب الأهلية لا يمكنه النظر إليه إلا باعتباره قاتل زوجته. ويضيف هذا كله إلى ذكرياته الغزيرة التي يساعد في تفجيرها أن عددا من نزلاء قسم الأمراض النفسية المجاور لقسم الأعطاب الجسدية في مستشفى الفردوس هم من أصدقائه ومعارفه القدامى، مثل أستاذ مادة العلوم رياض والشاعر زمان.
 
يخبرنا سهيل العطار أن لغرفته ثلاث نوافذ؛ اثنتان تطلان على الحاضر والأحداث الجارية في لبنان والمحيط العربي، الأولى على قسم المرضى النفسيين الذين هم في قسم منهم خريجو السجون والمعتقلات، دخلوها بأفكار معينة وخرجوا منها بلا عقول، والثانية مطلة على المعهد الموسيقي الذي يصله منه عزف الآلات المختلفة ويتعرف على اثنتين من طالباته عن طريق رسائل يتبادلونها، إحداهما ريتا العراقية التي تهجرت من الشمال العراقي بعد رحلة سبي أنقذها منه تاجر حلبي، وأوصلها إلى بيروت. أما النافذة الثالثة فتطل على الماضي والذكريات، وهي الأوسع والمفتوحة داخل رأس سهيل، تخرج لنا منها الكثير من الحكايات بدءا من طفولة سهيل في مدينة طرابلس الشمالية، حيث كان يعبر أسواقها القديمة إما مع أمه لمساعدتها في حمل أغراض التسوق أو رفقة أبيه متوجهين إلى مكتبه في سوق الخياطين، مرورا بشوارع بيروت عبر فترات متعددة، من الحرب الأهلية التي فقد فيها زوجته سلمى عازفة البيانو برصاصة قناص عند معبر المتحف الفاصل بين بيروتَي تلك الأيام، حتى بيروت الأمس القريب التي خرج إليها بإذن خاص من إدارة المستشفى وبمرافقة ممرضته منى ونزيلين من قسم الأمراض النفسية وحارس مواكب لهم، وفيها زار أمكنته القديمة كالجامعة التي علم فيها لثلاثين سنة والمقاهي متغيرة الأسماء والديكورات التي عُجِنت فيها أفكار تلك الأيام قبل أن تُبصق، إذ صارت اليوم مسرحا لأناس آخرين بأفكار أخرى أو بلا أفكار على الإطلاق. في أحد هذه المقاهي المطلة على صخرة الروشة الشهيرة، عثر سهيل على نهلة الشهوب، وهي الأنثى الأكثر فاعلية وتأثيرا في مجريات حياته بين النساء الكثيرات اللواتي تأثر بهن سهيل، وقد أحبها بعد موت زوجته، وصارت عرافته الخاصة، تقرأ له كفّه وتتنبأ بمستقبله. كانت نهلة أستاذة في علم الاجتماع، اختفت فجأة من حياته بُعيد الانسحاب الإسرائيلي من بيروت، وكثرت التخمينات التي تحاول تفسير سبب اختفائها، بين من قال إنه بسبب كتاب نشرته تنتقد فيه ولاءات الناس لمعتقدات عمرها قرون، تقاتلوا بسببها وما زالوا يتقاتلون، ومنهم من اتهم أجهزة مخابرات السلطة باعتقالها، ومن وصل إلى حد اتهامها بأنها عميلة للإسرائيليين.
 
تحوي الرواية على معلومات تاريخية تخص مدينة طرابلس تحديدا، حيث يذكر الكاتب عملية تفكيك وبيع سكك وعربات قطار الشرق السريع بثمن بخس أواسط القرن الماضي بحجة أنها أصبحت خردة، كما يوضح أسباب نشأة حي المنكوبين على تلال البدّاوي، حيث لجأ إليه الناس بعد فيضان النهر وتدميره لمنازلهم القريبة منه وقتله للبعض، دون أن ينجيهم الحي الجديد من نكبتهم بل يكون شاهدا ومسرحا لنكبات أخرى.
 
يقطع الكاتب فقرات من السرد بجمل شعرية أشبه بخُلاصات أو عِبر استنتجها من تجاربه وأحداث حياته.
 
تذكِّرنا هذه الرواية برواية "وميض البرق" للكاتب السوري الراحل ياسين رفاعيّة، حيث الراوي العجوز مُصِرّ على سرد تفاصيل حياته كلها، كأنه بذلك يتشبث بالبقاء ويسعى إلى إبطال فاعلية الموت الآتي لانتزاعه منها. 
 
العربي
13 يناير 2018