"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


إيمانويل ماكرون من الظل إلى الرئاسة: هل بدأت مرحلة العودة إلى الظل؟

date: 
Thu, 08/31/2017

لم توضح آن فولدا مؤلفة كتاب «إيمانويل ماكرون– من الظل إلى الرئاسة»- (الترجمة العربية عن دار الساقي في بيروت) طبيعة الأسباب العميقة التي دفعت عدداً من كبار النادي السياسي الفرنسي المؤثر إلى تراجع- كي لا نقول إلى تغيير- تقييمهم للشاب إيمانويل ماكرون بعيد وصوله إلى سدة الرئاسة. كما لم يفلح تكريس حاخام فرنسا الأكبر حاييم كورسيا للشاب ماكرون بتشبيهه إياه بنابليون بونابارت في الحدّ من تهاوي نسبة التأييد الشعبي بعد مرور مئة يوم على انتخابه.

كانت فولدا تقترب من الشيء من دون أن تجعل من تبديد التباساته هدفاً ذا قيمة... تلمِّح إلى تلميحات الآخرين حول «مثلية» ماكرون وعشقه لأغنية أزنافور «أنا مثلي»، إلى فن الإغواء وفن المحادثة اللتين يجيدهما، وإلى شغفه بالكتابة، لكن، في تحوله إلى عالم البنوك والمصارف تحت رقابة روتشيلد و «البيت» الذي يخرج رؤساء. في تسليطها الضوء على علاقة ماكرون بجدته جرمين إلى درجة تدهور العلاقة بينه وبين الرئيس هولاند بسببها عندما لم يلق ماكرون منه حزناً عميقاً كحزنه على وفاتها عام 2013!.. ثمة مبالغة أم سوء تقدير لعقول القرّاء؟ على رغم جدية تساؤلها بالقول: «يا لها من قاعدة مهتزة يقوم عليها المصير السياسي»!

كان له أكثر من أب إضافة إلى أبيه، تقول فولدا، وتشير إلى بوح زوجته بريجيت «بأنه لم تكن له علاقة قط مثل العلاقة مع والده الحقيقي». عند توقفها أمام «العرابون والإخوة الكبار»، وفيه تنقل فولدا عن أحد الكتّاب وهو جوليان دراي قوله: «هو يتودد دائماً إلى العجائز، ويضع نفسه دوماً في موضع الابن الذي تمُّنوا أن يُرزقوا به». هنا تكر سبحة أسماء الداعمين والمساندين و «خالقي» «إيمانويل» هذا «الإسم التوراتي الذي أطلقه النبي أشعيا على المسيح قبل مجيئه بسبعة قرون». من بين هؤلاء بعد الفيلسوف بول ريكور، مرشده السياسي رجل الأعمال الكتوم هنري هرمان والذي «أدخل إيمانويل إلى باريس ووضع رِجله في الرّكاب»، وجان- بيار جوييه، جاك أتالي، دان- ميشال داروا، سيرج وينبرغ، آلان مينك، دافيد دو روتشيلد «الذي قدّر سحره وذكاءه، ولكن في المجال السياسي فهو غالباً ما يضع القناع، وفرنسوا هنرو «أحد إخوته الكبار»، وفرنسوا هولاند الذي سمعه أحد مستشاريه ذات يوم يقول: إيمانويل، هو الابن الذي يتمناه كلّ أب» من دون أن يتخيّل أن بعض الأبناء تتملكهم أحياناً الرغبة في قتل آبائهم، مع أهمية تركيزها على أدوار جدته «القاسية والرهيبة والكثيرة التطلب» والتي منها تعلّم «القواعد والتاريخ والجغرافيا وقرأ إلى جانبها موليير وراسين وجورج دوهاميل ومورياك، واكتشف جيد وكامو»، وزوجته بريجيت التي كانت في التاسعة والثلاثين من العمر عندما فازت بوقوع ماكرون بحبها، وفازت بلقب سيدة فرنسا الأولى إلى جانبه رئيساً عندما بلغ التاسعة والثلاثين من العمر. لكن بريجيت وقعت في الحالتين فريسة «النميمة والثرثرة»، والتساؤلات بسبب الفارق المقلوب في السن، وهو ما صدم ماكرون من المجتمع الفرنسي فقال أنه «تعبير عن كره مستمر للمرأة». لكنها بريجيت «الفريدة» معلمة اللغة الفرنسية والقائلة: «لو كانت رواتب الأساتذة أفضل، لأمكن القول حقاً أنها أفضل مهنة في العالم»!.

في كتابه «ريفوليوشن» (أي الثورة) يخبرنا ماكرون أنه أمضى طفولته بين الكتب، و «في شبه عزلة عن الناس» وأنه يحيا «من النصوص والكلمات»، وأنه «لا يضع شيئاً فوق الكتابة». ووفق بريجيت «ثمة تلك العلاقة شبه المَرَضية مع الكتاب»، فتذكر أنه «لم يقدم يوماً هدية سوى كتاب ولا يتردد إلا على المكتبات»، ما دفع إحدى حفيداتها (زوجته بريجيت أم لثلاثة أولاد وجدة لسبعة أحفاد) إلى أن تقول له: أنت تعلم أن هناك الكثير من مخازن الألعاب أيضاً».

مع كل هذا الدفق العاطفي تجاه القراءة والكتاب والكتابة، لم نعثر على أفكار ذات قيمة لماكرون بين السطور ولا خلفها، ولم تُدخلنا فولدا إلى ثنايا عقله والمأثور من معتقداته الفكرية، سواء في مخاطبته الجيل الشاب، أو على صعيد رؤيته لفرنسا المُكبّلة عن أدوار كانت لها ذات يوم، أو عن أوروبا المتأرجحة في نظام عالمي مأزوم، وعن هذا العالم بأبوابه المُشرعة على مفاصل تواريخ، وعلى أبواب الإرهاب والمشاكل الاقتصادية، والحروب، والهجرات، والتقوقع الهوياتي الخ...

كتاب رَصَد وبكثير من الثرثرة اليومية حكايات راوحت بين طفولة شاب حالم «دائم البحث عن نماذج وعن مرجعيات، كأنه يعاني نقصاً في هذا المجال من تاريخه الشخصي والعائلي باستثناء تلك الجدة المعظمة المرفوعة إلى الأبد فوق قاعدتها»، وبين صفحات لا تتراخى في إضفاء الثناء على ذكائه وسحره الآسر، وعلى التباسات شخصه أيضاً، وانتقاله السريع إلى عالم الأضواء وأغلفة المجلات المرموقة، واصطناع الهروب من مصوري الباباراتزي، وإتقانه فن الإغواء، فكان أن سَاد انطباع «بأن كمية الإغواء كفيلة بتجنيبه الخطاب العقلاني وقول ما يفكر فيه».

ثمة ما ورد في بعض السطور عن شخصه ومن ذلك أن «إيمانويل كانت لديه على الدوام ولاءات متتالية أو بالأحرى خيانات متتالية»، وأن جميع عرابيه أو آبائه «في مرحلة أولى كانوا يعتّزون بأن مُهرَهم يحقق النجاحات في الحياة الباريسية، وفي مرحلة ثانية يدركون أن راستينياك استغلهم»، مع الإشارة إلى أن راستينياك هو إحدى شخصيات بلزاك ويرمز إلى الإنسان الوصولي. هنا أيضاً تكر سبحة التوصيفات من عرّابيه بحقه، ومنها: «فراغه» ونرجسيته وقصر نظره إلى العالم، والكلام لجاك أتالي.

تتساءل فولدا في ختام كتابها: ألعله بات من الممكن أن يستطيع إيمانويل ماكرون، هذا الجسم السياسي الغريب الذي كان مغموراً تماماً قبل أربع سنوات، قد كسب المعركة الرئاسية لعام 2017 في وجه أعتى القدماء، هازئاً بأعراف السياسة؟ أما تساؤلاتنا فباتت أكثر حيرة ولا يقينية حول معنى لعبة الصناديق الديموقراطية بمفردها(؟)، وحقيقة دور المَهَرة في «تصنيع» رؤساء كما لو أنهم يصنعون مواد غذائية منتهية الصلاحية قبل الإعلان الترويجي لمنافعها؟

 

جريدة الحياة

لم توضح آن فولدا مؤلفة كتاب «إيمانويل ماكرون– من الظل إلى الرئاسة»- (الترجمة العربية عن دار الساقي في بيروت) طبيعة الأسباب العميقة التي دفعت عدداً من كبار النادي السياسي الفرنسي المؤثر إلى تراجع- كي لا نقول إلى تغيير- تقييمهم للشاب إيمانويل ماكرون بعيد وصوله إلى سدة الرئاسة. كما لم يفلح تكريس حاخام فرنسا الأكبر حاييم كورسيا للشاب ماكرون بتشبيهه إياه بنابليون بونابارت في الحدّ من تهاوي نسبة التأييد الشعبي بعد مرور مئة يوم على انتخابه.

كانت فولدا تقترب من الشيء من دون أن تجعل من تبديد التباساته هدفاً ذا قيمة... تلمِّح إلى تلميحات الآخرين حول «مثلية» ماكرون وعشقه لأغنية أزنافور «أنا مثلي»، إلى فن الإغواء وفن المحادثة اللتين يجيدهما، وإلى شغفه بالكتابة، لكن، في تحوله إلى عالم البنوك والمصارف تحت رقابة روتشيلد و «البيت» الذي يخرج رؤساء. في تسليطها الضوء على علاقة ماكرون بجدته جرمين إلى درجة تدهور العلاقة بينه وبين الرئيس هولاند بسببها عندما لم يلق ماكرون منه حزناً عميقاً كحزنه على وفاتها عام 2013!.. ثمة مبالغة أم سوء تقدير لعقول القرّاء؟ على رغم جدية تساؤلها بالقول: «يا لها من قاعدة مهتزة يقوم عليها المصير السياسي»!

كان له أكثر من أب إضافة إلى أبيه، تقول فولدا، وتشير إلى بوح زوجته بريجيت «بأنه لم تكن له علاقة قط مثل العلاقة مع والده الحقيقي». عند توقفها أمام «العرابون والإخوة الكبار»، وفيه تنقل فولدا عن أحد الكتّاب وهو جوليان دراي قوله: «هو يتودد دائماً إلى العجائز، ويضع نفسه دوماً في موضع الابن الذي تمُّنوا أن يُرزقوا به». هنا تكر سبحة أسماء الداعمين والمساندين و «خالقي» «إيمانويل» هذا «الإسم التوراتي الذي أطلقه النبي أشعيا على المسيح قبل مجيئه بسبعة قرون». من بين هؤلاء بعد الفيلسوف بول ريكور، مرشده السياسي رجل الأعمال الكتوم هنري هرمان والذي «أدخل إيمانويل إلى باريس ووضع رِجله في الرّكاب»، وجان- بيار جوييه، جاك أتالي، دان- ميشال داروا، سيرج وينبرغ، آلان مينك، دافيد دو روتشيلد «الذي قدّر سحره وذكاءه، ولكن في المجال السياسي فهو غالباً ما يضع القناع، وفرنسوا هنرو «أحد إخوته الكبار»، وفرنسوا هولاند الذي سمعه أحد مستشاريه ذات يوم يقول: إيمانويل، هو الابن الذي يتمناه كلّ أب» من دون أن يتخيّل أن بعض الأبناء تتملكهم أحياناً الرغبة في قتل آبائهم، مع أهمية تركيزها على أدوار جدته «القاسية والرهيبة والكثيرة التطلب» والتي منها تعلّم «القواعد والتاريخ والجغرافيا وقرأ إلى جانبها موليير وراسين وجورج دوهاميل ومورياك، واكتشف جيد وكامو»، وزوجته بريجيت التي كانت في التاسعة والثلاثين من العمر عندما فازت بوقوع ماكرون بحبها، وفازت بلقب سيدة فرنسا الأولى إلى جانبه رئيساً عندما بلغ التاسعة والثلاثين من العمر. لكن بريجيت وقعت في الحالتين فريسة «النميمة والثرثرة»، والتساؤلات بسبب الفارق المقلوب في السن، وهو ما صدم ماكرون من المجتمع الفرنسي فقال أنه «تعبير عن كره مستمر للمرأة». لكنها بريجيت «الفريدة» معلمة اللغة الفرنسية والقائلة: «لو كانت رواتب الأساتذة أفضل، لأمكن القول حقاً أنها أفضل مهنة في العالم»!.

في كتابه «ريفوليوشن» (أي الثورة) يخبرنا ماكرون أنه أمضى طفولته بين الكتب، و «في شبه عزلة عن الناس» وأنه يحيا «من النصوص والكلمات»، وأنه «لا يضع شيئاً فوق الكتابة». ووفق بريجيت «ثمة تلك العلاقة شبه المَرَضية مع الكتاب»، فتذكر أنه «لم يقدم يوماً هدية سوى كتاب ولا يتردد إلا على المكتبات»، ما دفع إحدى حفيداتها (زوجته بريجيت أم لثلاثة أولاد وجدة لسبعة أحفاد) إلى أن تقول له: أنت تعلم أن هناك الكثير من مخازن الألعاب أيضاً».

مع كل هذا الدفق العاطفي تجاه القراءة والكتاب والكتابة، لم نعثر على أفكار ذات قيمة لماكرون بين السطور ولا خلفها، ولم تُدخلنا فولدا إلى ثنايا عقله والمأثور من معتقداته الفكرية، سواء في مخاطبته الجيل الشاب، أو على صعيد رؤيته لفرنسا المُكبّلة عن أدوار كانت لها ذات يوم، أو عن أوروبا المتأرجحة في نظام عالمي مأزوم، وعن هذا العالم بأبوابه المُشرعة على مفاصل تواريخ، وعلى أبواب الإرهاب والمشاكل الاقتصادية، والحروب، والهجرات، والتقوقع الهوياتي الخ...

كتاب رَصَد وبكثير من الثرثرة اليومية حكايات راوحت بين طفولة شاب حالم «دائم البحث عن نماذج وعن مرجعيات، كأنه يعاني نقصاً في هذا المجال من تاريخه الشخصي والعائلي باستثناء تلك الجدة المعظمة المرفوعة إلى الأبد فوق قاعدتها»، وبين صفحات لا تتراخى في إضفاء الثناء على ذكائه وسحره الآسر، وعلى التباسات شخصه أيضاً، وانتقاله السريع إلى عالم الأضواء وأغلفة المجلات المرموقة، واصطناع الهروب من مصوري الباباراتزي، وإتقانه فن الإغواء، فكان أن سَاد انطباع «بأن كمية الإغواء كفيلة بتجنيبه الخطاب العقلاني وقول ما يفكر فيه».

ثمة ما ورد في بعض السطور عن شخصه ومن ذلك أن «إيمانويل كانت لديه على الدوام ولاءات متتالية أو بالأحرى خيانات متتالية»، وأن جميع عرابيه أو آبائه «في مرحلة أولى كانوا يعتّزون بأن مُهرَهم يحقق النجاحات في الحياة الباريسية، وفي مرحلة ثانية يدركون أن راستينياك استغلهم»، مع الإشارة إلى أن راستينياك هو إحدى شخصيات بلزاك ويرمز إلى الإنسان الوصولي. هنا أيضاً تكر سبحة التوصيفات من عرّابيه بحقه، ومنها: «فراغه» ونرجسيته وقصر نظره إلى العالم، والكلام لجاك أتالي.

تتساءل فولدا في ختام كتابها: ألعله بات من الممكن أن يستطيع إيمانويل ماكرون، هذا الجسم السياسي الغريب الذي كان مغموراً تماماً قبل أربع سنوات، قد كسب المعركة الرئاسية لعام 2017 في وجه أعتى القدماء، هازئاً بأعراف السياسة؟ أما تساؤلاتنا فباتت أكثر حيرة ولا يقينية حول معنى لعبة الصناديق الديموقراطية بمفردها(؟)، وحقيقة دور المَهَرة في «تصنيع» رؤساء كما لو أنهم يصنعون مواد غذائية منتهية الصلاحية قبل الإعلان الترويجي لمنافعها؟