"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


ألبرتو مانغويل يقرأ تاريخ الفضول البشري

date: 
Sun, 09/03/2017
صدر عن دار الساقي للنشر كتاب "الفضول" للمؤلّف الأرجنتيني ألبرتو مانغويل بترجمة حمَلَت توقيع المترجم السوري إبراهيم قعدوني.
 
في هذا الكتاب الفريد من نوعه، يستطلع مانغويل المعروف بشغفه الدؤوب بالقراءة والكتب وبالمكتبات وسيرتها، يستطلع تاريخ الفضول البشري منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا في قالبٍ ثريّ يجمع موسوعية المحتوى إلى براعة الأسلوب القصصي الآسر مُتّخذاً من قصيدة "الكوميديا الإلهية" لدانتي مَركَباً يسافر فيه إلى أقاصي الحكاية البشرية مع الفضول والعلم واللغة والأدب.
 
من المعروف عن مانغويل شغفه بالقراءة وولعه بالتفاصيل، إذ يصفه النقاد بدودة كتُبٍ بشرية، وهو يعيش في جنوب فرنسا صحبة 30 ألف كتاب جمعها في رحلة حياته وتفرّغ ليكتب عنها كما يقول. اعتاد مانغويل أن ينشُر كتاباً كلّ سنة، ومع أن كتابته قد تدخل تحت تصنيفاتٍ عديدة، إلاّ أن تخصصه الأبرز هو الكتابة عن الكتب وفِعلِ قراءتها وعن المكتبات وتاريخها وحكاياتها وهو الذي رافق بورخيس قارئاً مساعداً أيام كان في بوينس أيريس. يلاحظ قارئ مانغويل أنّ بورخيس لا يكاد يغيب عن أيّ مؤلّفٍ من مؤلفاته.
 
تشبه قراءة مانغويل التنزُّه في المدينة أو الجلوس في المقهى رِفقةَ نطاسيٍّ متخصص في تاريخ الكتب والأدب والفن يسافر بك من حكايةٍ صوب أخرى على بساطٍ من السرد الحصيف.
 
ويمكن القول إنّ كتابه الأخير "الفضول" هو مجموعة كتُبٍ في كتاب واحد يضارع أسئلة كُبرى ويجلب مقترحاتٍ لإجاباتٍ من بطون الملاحم والنقوش والموسوعات التي راكمتها البشرية منذ طفولتها. يتناول الكتاب دانتي أليغييري بوصفه أنموذجاً فذّاً لتجربة الفضول البشري من خلال رحلته العبقرية عبر عوالم كوميداه الإلهية الثلاثة، الجحيم فالمطهَر فالفردوس.
 
نقرأ في مقدمة الكتاب:
 
"ترفض أنظمتنا التعليمية اليوم، عامة، الاعتراف بما ينشُده خيالنا، إذ إنّ هذه الأنظمة لا تكاد تعيرُ اهتماماً للمعرفة الواقِعة خارج حقلِ الكفاءة المادية والربح الماليّ. لم تعد مؤسساتنا التعليمية تحضُّ على التفكير من أجل التفكير ومن أجل التمرين الحرّ للخيال. لقد أضحت المدارس والمعاهد بمنزلة معسكرات تدريبٍ لعمّال حِرفيين، بدلاً من أن تكون منتديات للتساؤل والنقاش، ولم تعد الكليّات والجامعات حواضن لأولئك المتسائلين الذين دعاهم فرانسيس بيكون في القرن السادس عشر بـ"تجّار النّور"، فنحن نعلِّم أنفسنا أن تَسأل: "كم سيكلّف؟"، و"كم سيستغرق؟"، بدلاً من أن تسأل: "لماذا؟".
 
يضم الكتاب 17 فصلاً بعناوين تشترك جميعها في إشارة الاستفهام التي تقف في نهاياتها كأسئلةٍ مفتوحةٍ من قبيل: "ما هو الفضول"، "كيف نُفَكّر؟"، "ما الذي نفعله هنا؟"، "ما هي اللغة؟" و"ما هو الحيوان"؟ وما شاكل ذلك من أسئلةٍ كانت وما تزال موضوع تساؤلٍ وبحثٍ علميّ وفلسفي متواصل، غير أن مانغويل لا يُبَشِّر بأجوبةٍ ولا يَعِدُ بها، إنّما يترك لأسئلته أن تقدح ما يشبه ومضاتٍ من الإلهام حول موضوعاتِ أسئلته مستعيناً بمُرشدين راسخين في تاريخ الذاكرة البشرية مثل هوميروس وأفلاطون وفيداس السنسكريتي وصفحات التلمود العبري والأناجيل والقرآن والقديس أوغسطين وتوما الأكويني وأطروحات المعتزلة والكلاسيكيات الفارسية والعربية في رحلةِ استكشافٍ باهر.
 
ليست أسئلة مانغويل عن التاريخ وحده، بل على العكس من ذلك، يمضي البحثُ نحو التاريخ في محاولةٍ لمقاربة أسئلةِ الحاضر المؤرقة كسؤال المنفى والموت ومسألة المرض ومشكلة التغير المناخي وشؤون الحيوان وهواجس الثقافة والهويات المجتمعية. ولا غرابة في أن تذهب حكاية مانغويل إلى معسكر أوشفيتز وإلى خراب هيروشيما وإلى صندوق النقد وجشع المصرفيين الذين يديرون مصائر البشر، إذ أنَّ لهذه المواجع جذورها الضاربة في عُمقِ تاريخنا البشري كما يقول مانغويل.
 
" .....كانت تلك نفسها الحجج التي ساقها النظام الإقطاعيّ فَضلاً عن تجّار العبيد وزبائنهم، كما استخدمها الطغاة والمستبدّون والقائمون على الأنظمة المالية على امتداد الأزماتِ الاقتصادية المتعاقِبة. “فضائل الأنانية” التي يتبنّاها المحافظون، وخصخصةُ السّلع والخدمات العموميّة لدى الشركات المتعدّدة الجنسيات، ومكاسب الرأسمالية الجامِحة التي تُسَوِّقُها البنوك؛ هذه جميعها ليست سوى ترجماتٍ مختلفة لقول تريماخوس المأثور في أنّ "العدالةَ ليست سوى ما يناسب الأقوى".
 
ينتقي مانغويل من ملحمة دانتي ما يلائم الفكرة الذي يزمِعُ مناقشتها في كل فصل مستهلاً إياه بصورةٍ من صور الألواح الخشبية التفسيرية التي رسمها الفنان الإيطالي كريستوفو لاندينو في القرن الخامس عشر كرسومٍ تخيّليّة توضيحية لكل نشيد [كانتو] من أناشيد الكوميديا. لا يبدو اختيار مانغويل عبثياً للمقاطع الشعرية التي يأخذها من الكوميديا، بل من الواضح أنّه أراد أن يخبر قارئه كم كريمةٌ هي القراءة مع القارئ الشغوف، فها هو مانغويل "القارئ أولاً" كما يقول، يسافر في الزمن سبعة قرونٍ إلى الوراء ليأتي بدانتي وكأنه يحاورنا الآن.
 
يقول مانغويل في مقدمة كتابه ما يفيدُ أنّ الفضول لطالما كان له معنىً مزدوجٌ، محمودٌ ومذموم. ويقول المثل الإنجليزي الشائع أنَّ الفضول أودى بحياة القطّ، غيرَ أنَّ فضولَ مانغويل في كتابه هذا إنّما هو فضولٌ ممتعٌ بقدرِ ما هو مفيد.
 
ضفة ثالثة